Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

إضاءة على الديمقراطية المغدورة في سورية

كتب نصر شمالي:

يوم جلاء القوات الفرنسية عن أراضيها عام 1946، كانت سورية المقلصة جغرافياً وبشرياً باتفاقية سايكس بيكو، تمتلك شروط الحياة السياسية الحديثة المتجسدة في ثمانية تيارات سياسية تمثل عموم فئات الشعب بصورة كافية، وهي: الوطنيون، والشعبيون، والشيوعيون، والقوميون السوريون، والإخوان المسلمون، والبعثيون، والاشتراكيون، والمستقلون.. وكانت جميع التيارات المذكورة متفقة (تقريبآ، من حيث المبدأ وليس في التفاصيل) على ثلاثة أهداف استراتيجية، هي: بناء سورية الديمقراطية البرلمانية المتطورة اجتماعيآ واقتصاديآ والسائرة بما يتفق مع روح العصر ومتطلباته، والتصدي للإستيطان الإسرائيلي في فلسطين، والعمل على تحقيق الوحدة العربية..أ نصر شمالي

وبعد تحقق الاستقلال، بدت التيارات المذكورة جميعها جادة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الثلاثة، وبخاصة توجه السوريين بكثافة إلى ميادين الحرب الفلسطينية (أي خارج حدودهم السايكسبيكوية!) ومعارضتهم اتفاقية النفط الأميركية أصولآ في برلمانهم الحر، فكان لا بد من تحجيمهم على الفور، وحصرهم في حدودهم السايكسبيكوية التي أغفلوها، وتخطوها!..

لقد كان انقلاب حسني الزعيم مفصلآ على هدا الأساس، وهو الأساس الذي يجري تجاهله، بينما يجري الاستغراق في استعراض التفاصيل الهامشية الظاهرية التافهة، المثيرة كالروايات البوليسية! وذلك عن قصد طبعآ، للتقليل من شأن الشعب السوري ومن أهمية مواقفه الوطنية والقومية! فالحكاية كما يروونها هي حكاية السمنة الفاسدة، وجنون العظمة عند الزعيم، وما إلى ذلك من تفاهات!..

لقد اعتقل الزعيم معظم قيادات التيارات السياسية، وفي مقدمتهم الرئيس شكري القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم، وأرسل أنطون سعادة غدرآ إلى الإعدام في لبنان، حيث سعادة كان فعّالآ جدآ في ميدان النهوض بالبنية الاجتماعية السورية وتحديثها وفولذتها، وأيضآ في ميدان مواجهة الإسرائيليين! وألحق الزعيم بميشيل عفلق أشد الأذى في السجن، لأن حزبه وزع بيانآ ضد اتفاقية النفط، وهو ما لا يشير إليه الحكواتية رواة "التاريخ" السوري بكلمة واحدة!

أراد الأنغلوسكسون الصهاينة بانقلاب الزعيم (والطريق مازال في أوله كما يقال!) كسر شوكة التيارات السياسية السورية جميعها، وتدمير عنفوانها الوطني، وتحجيم سورية وشعبها، لتبقى في الحدود التي رسمتها لها اتفاقية سايكس بيكو، لا تتعداها أبدآ! ..

لقد كان ينبغي على سورية، المقلصة جغرافيآ وبشريآ حسب ترتيبات سايكس بيكو، أن تظهر بمظهر الدولة المستقلة السيدة، إنما مظهرآ فقط، ومن دون أن تكون كذلك حقآ! لكن الشعب السوري، ونخبه، تصرفوا على أساس أنهم مستقلون تمامآ، وأسياد أنفسهم تمامآ، وبدأوا ينشطون على هذا الأساس، في الداخل السوري، وفي "الخارج" الفلسطيني، والعربي عمومآ! .. وسرعان ما بدأت الانقلابات العسكرية المتوالية، التي استمرت حتى عام ١٩٥٤، لضبط الشعب السوري، ولإقناعه بأن بلاده مجرد منطقة مدارة، بحكم ذاتي في خدمة الأنكلوسكسون الصهاينة، وبما لا يتناقض مع قيام الكيان الإسرائيلي كما نصت عليه اتفاقيات سايكس بيكو!.. ولكن، لقد بدا صعبآ جدآ ضبط الشعب السوري ونخبه حتى بالانقلابات، حيث الجيش الوطني بدوره لم يكن بأكثريته الساحقة متعاونآ معهم بل ضدهم.. فالعقيد عدنان المالكي. مثلآ، كان معتقلآ لأنه ضد الحكم العسكري الذي ترأسه العقيدأديب الشيشكلي.. بل إن الرئيس العقيد الشيشكلي بالذات كان يتحدث بانزعاج عن التدخلات الأميركية التي تطالبه بقمع النخب السياسية السورية، تحت عنوان: "مكافحة الشيوعية"، ويقول لخلصائه أنه كان "يجامل" الأميركيين في الحدود الدنيا اتقاء لشرهم!..

وهكذا لجأ الأنغلوسكسون الصهاينة، إلى إشعال نيران الفتن والاقتتال بين النخب والتيارات السياسية، كي تنشغل ببعضها عن أهدافها الاستراتيجية الداخلية والخارجية، فكانت مؤامرة اغتيال العقيد عدنان المالكي خطوة في هذا الاتجاه، ضد الجيش الوطني من جهة، وضد النخب والتيارات الشعبية الوطنية من جهة أخرى!