Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

مهمّة مستحيلة

كتب صفوان زين- فينكس:

كان ذلك في الأسبوع الأول من شهر نيسان من العام ١٩٨٧ عندما اوفدتني شركتي مع احد الزملاء الى ألمانيا الشرقية لمحاولة حلّ خلاف تجاري مالي مع احدى الجهات الألمانية الشرقية لم تنفع المراسلات المتعددة في حلِّه. بدت مهمّتنا صعبة منذ اللحظة الأولى لوصولنا مساءً الى الفندق في برلين الشرقية وذلك عند تقديم جوازات سفرنا الى موظف الاستقبال.
كنتُ وزميلي امام حاجز الاستقبال في حديث عادي ومألوف مع الموظف وقد ادرنا ظهرنا للناس وراءنا عندما شعرتُ بيَدٍ تربت على كتفي، التفتُّ بسرعة كي اجد شابّاً ورائي تماماً يبادر الى مخاطبتي باللغة الإنكليزية بأسلوبٍ لطيف ولكنه حازم 'سيّدي ارجوك ان تنتبه لا توجد المانيا شرقية وألمانيا غربية توجد ألمانيا واحدة فقط هي جمهورية ألمانيا الديمقراطية ". كان واضحاً انه عنصر امن التقط بأذنَيه الحسّاستين عبارة "المانيا الشرقية" عندما وردت على لساني بكل براءة خلال حديثي مع موظف الاستقبال.قد تكون صورة لـ ‏شخص أو أكثر‏
ابتسمتُ واعتذرتُ له عن "الخطأ الشنيع غير المقصود" الذي ارتكبته منذ اليوم الاول لوصولي الى بلدهم 'المضياف'. لم يعوِّض هذه الخيبة الاولى سوى عشاء الفندق الشهيّ المكوّن من سمك موسى(السول) الرائع مع النبيذ الأبيض الفاخر وبكلفة لم تتجاوز بضعة ماركات ألمانية شرقية (عفواً المانية ديمقراطية) حصلنا عليها من السوق السوداء ذلك المساء بأسلوب غير ديمقراطي.
في اليوم التالي وما تلاه من ايّام وبعد انتقالنا من برلين الى مرفأ روستوك شمال البلاد على بحر البلطيق حيث مركز الشركة الرئيسي كان مقدّراً لنا ان نخوض مفاوضات صعبة جداً لم تنفع معها جميع الحجج القانونية والتجارية في إقناع الجانب الألماني بأحقيتنا بالاستحقاق المختلَف عليه . مساء اليوم ما قبل الأخير لمهمتنا وكان بدا واضحاً انها انتهت الى الفشل الذريع دعانا المدير العام للشركة الألمانية الى عشاء وداعي في احد مطاعم روستوك.
كان الحديث خلال العشاء عامّاً جداً ولطيفاً جداً تجنب فيه الطرفان الخوض في موضوع الخلاف.
سرعان ما تبين لنا ان مفاوضنا الرئيسي حزبي والأرجح انه حزبي بارز، كان ذلك واضحاً من بعض العبارات التي دأب على استعمالها خلال الحديث عن اوضاع بلاده. انتهزتها فرصةً كي أتحدث بإسهاب عن علاقات الصداقة التاريخية السورية / الألمانية الشرقية وركّزتُ في حديثي على ان سوريا كانت اول دولة عربية تعترف بألمانيا الشرقية وتتعامل معها تجارياً، كما كانت اول دولة عربية تعترف بجمهورية الصين الشعبية إضافةً الى انها كانت اول دولة عربية بعد مصر تكسر احتكار السلاح من قِبل الغرب وتعقد صفقة الأسلحة الشهيرة مع تشيكوسلوفاكيا. بدا الإنشراح واضحاً على وجه مفاوضنا الألماني الشيوعي وشرع ينهال عليّ بأسئلة لا تنتهي عن سوريا واقتصادها وتاريخها اذ كان يجهل كل شيء عنها.
انتهت السهرة على خير ما يُرام على الصعيد الشخصي دون ان يجري التطرق ولو بحرفٍ واحد الى المهمة التي قدمنا من اجلها. في اليوم الأخير لمهمتنا وكان مقرراً ان نلتقي في جلسة واحدة وداعية ومختصرة قبل التوجه مساءً الى محطة القطار عائدَين بخفّي حنين الى برلين ومنها الى الوطن، في ذلك اليوم الأخير حصلت المفاجأة الكبرى ووافق الجانب الألماني على كل طلباتنا، كدنا نطير من الفرح.
ما زلتُ الى اليوم اتساءل عن سر هذا التحول المفاجئ؟ يحلو لي الى اليوم ان أعزوه مدفوعاً لذلك بنوعٍ من الغرور الى الشرح الذي قدمته في الليلة السابقة عن تطور العلاقات التاريخية بين سوريا وألمانيا الشرقية وسواها من دول المعسكر الاشتراكي.
لا أملك الى اليوم ايَّ سند او دليل على صحة هذا التفسير وهو قطعاً ليس صحيحاً غير اني لا املك ولا سواي يملك الى اليوم ايَّ تفسير آخر.
من حسن حظي انه لن يظهر مثل هذا التفسير الآخر اذ لم تنقضِ سنتان على مهمّتنا الاّ وكانت المانيا الشرقية قد زالت من الوجود بقضّها وقضيضها.
الصورة الثانية: برلين الشرقية، امام دار الاوبرا، نيسان ١٩٨٧