Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن قاض نزيه و مميز من بلادي

كتب صفوان زين- فينكس:

ما ان وقعت عيناي على القضاة بأروابهم الحمراء يعبرون المدخل الخارجي لمحكمة الاستئناف في مدينة مونتريال، حتى قفزت الى مخيلتي ذكرى عزيزة لقاضٍ من بلادي.
انس الزين (١٩٤٤/ ٢٠١٠)
في ذاكرة مدينتنا قضاة مميزون رحلوا عنّا وخلفوا وراءهم ارثاً اخلاقياً لا يقدر بثمن. آخر من رحل من هؤلاء كان المرحوم أنس الزين الذي اختطفه موت مفاجئ وهو في أوج عطائه.
ربطتني به صداقة كان مدخلها القرابة، صداقة انطوت دوماً على إعجاب لا حدود له بنزاهة لا حدود لها ربما بلغت في بعض المواقف حد الهوس. كانت مغالاته في الترفع تحرجنا احيانا غير انها كانت دوما تبهرنا.. تبهرنا بما ترمز إليه من قيم كنا ومازلنا نتطلع الى من يجسدها بسلوكه، خاصة لمن كان في موقع المسؤولية عن إحقاق الحق.
عرفته طفلاً حين كان منزل أهله يجاور منزل أهلي، لم يكن كأترابه من أطفال الحي، كان مميزاً عنهم أو لنقل مختلفاً عنهم، لم اشاهده يوماً منخرطاً في ألعاب الأطفال الجماعية خاصة ما انطوى منها على شيء من العنف، فلقد حالت حساسيته ورقته وحياؤه الفطري دون فعل ذلك، وهي صفات لازمته في الواقع طيلة حياته و أقامت بينه وبين الآخرين حواجز استطاع دوماً ان يتخطاها بما أوتي من لطف ودماثة.
و لم يكن أنس كأترابه من المراهقين. لقد عرفته و عرفه الجميع فتى جديا رصينا بعيدا كل البعد عن طيش المراهقة وشططها، منكبا دوما على المطالعة النهمة وعلى الغرف من الأدب والشعر. لقد تكشّف في سن مبكرة عن تطلعات واهتمامات سابقة لأوانها كانت تلفت نظر المحيطين به. لم يتطلع يوماً لأن يغدو طبيباً او مهندساً او حتى محامياً، بل كان طموحه منصبّاً على ان يغدو قاضياً وقاضياً حصراً، وهي المهنة التي استحوذت دوما على تفكيره مقتدياً في ذلك ومتأثراً الى حد بعيد بسيرة خاله شقيق والدته المرحوم حسن الزين الذي ختم مسيرته القضائية في مطلع الخمسينيات كواحد من قضاة التمييز (النقض) البارزين، تماماً مثلما ختم المرحوم أنس مسيرته القضائية بل ومسيرة حياته بعد ذلك بستين عاما كمستشار في محكمة النقض.
و أخيراً: فإن أنس ما كان كأترابه من الشباب ومن ثم الكهول، لقد عرفناه، وعرفه الجميع، كالناسك في صومعته منكبا آناء الليل على ملفاته، منصرفاً عن مغريات الدنيا ومباهجها، ناذراً نفسه لخدمة قضية العدالة.
رحم الله انس الزين، عاجله القدر قبل أن يكمل رسالته، ستظل ذكراه عنواناًً لنزاهة قلّ نظيرها.