Group 422
كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عن جمال عبد الناصر في تميزه المأساوي

كتب نصر شمالي

عن جمال عبد الناصر في تميزه المأساوي أقول.. كان عبدالناصر، كما أراه: ثوريآ، مصريآ، عربيآ، مسلمآ، أفريقيآ، أمميآ..
كان ثوريآ، يتطلع إلى التغيير الإيجابي الشامل والعميق، بغض النظر عن مهنته العسكرية، التي كانت ثانوية في مكونات شخصيته.. لكن القوة الانقلابية التي حملته إلى السلطة وشاركته فيها لم تكن كذلك، بل كانت في معظمها معوقة، إن لم تكن معادية للثورة، بمعانيها الحقيقية المعروفة..أ نصر شمالي
وكان مصرياً يعرف جيدآ الوضع المصري، حيث الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب مسحوقة بالفقر والجهل، ولا علاقة تستحق الذكر بينها وبين نخبها، وهي النخب الموزعة بين الشرق والغرب وورثة الدين، فكانت أغلبية شعبية مصرية سلبية، إلا بعواطفها الطيبة وذكائها الفطري..
وكان عربيآ، يعرف أن لا نهوض لمصر إلا بأمتها العربية، لكن الأمة العربية ممزقة شر تمزيق، يحكم المستعمرون بطريقة مباشرة دويلاتها المصطنعة، أو يحكمونها بطريقة غير مباشرة، بأنظمة تابعة لهم..
وكان مسلمآ، يعرف جيدآ استحالة الفصل بين العروبة والإسلام، لكن الإسلام في البلاد العربية كان (ولا يزال) مجيرآ لصالح دول النفط، وتجار الدين حكامآ، وحركات سياسية، واجتماعية، وفرقآ دينية..
وكان أفريقيا، وأوضاع أفريقيا الرهيبة ليست بحاجة للشرح، وقد استبشر الأفارقة عمومآ الخير بظهوره، حيث أفريقيا مهيأة بكاملها كي تكون عمقآ عربيآ بقيادة القاهرة، لكنها كانت تحتاج للأخذ بيدها في جميع الميادين..
وكان أمميآ، يعرف أوضاع العالم جيدآ، لكن العالم كان (ولا يزال) عالمآ رأسماليآ، ربويآ صهيونيآ، وقادته لا يسمحون أبدآ لأحد بالحركة خارج مخططاتهم وترتيباتهم..
وهكذا، فقد كانت مأساة عبد الناصر في تميزه، الذي جعله يدخل قلوب البسطاء من دون استئذان من جهة، وجعله غريبآ بين الأوساط العليا الحاكمة وغير الحاكمة، في بلده مصر، وفي أمته العربية، وفي النظام العالمي الفاسد السائد عمومآ..
وكان طبيعيآ، والحال كذلك، أن تقع الأخطاء والانحرافات والارتكابات الكثيرة، وأن تحسب جميعها على عهده، بينما هو يحاول تلافي النواقص، بتكوين قواه الثورية المفتقدة في المعارك الحربية التي لا تنهض القوى الثورية إلا في ميادينها، والاضطرار لخوض المعارك الحربية، الدفاعية، التي لا يمكن أن تكون مظفرة إلا إذا قادتها قوى ثورية..
تلك كانت المعادلة التي سعى عبد الناصر إلى تحقيقها، في حرب الاستنزاف خاصة، وكادت تؤتي أكلها، لولا أن وافته المنية، رحمه الله..

وفي هذا الليل الطويل، البهيم، عادت بي الذاكرة إلى يوم ٩-٦-١٩٦٧، والرئيس عبد الناصر يخرج على الناس، معلنآ استقالته، وتحمله مسؤولية الهزيمة بالكامل، كما قال!..

لقد أحسست بقشعريرة وقد خطر ببالي الآن، ولأول مرة، أن من كان ينبغي أن يقدم استقالته ويعلن تحمله لمسؤولية الهزيمة هو قائد الجيش، المشير عبدالحكيم عامر، لكنه، ليس لم يفعل وحسب، بل بدا كأنما هو غير معني بما حدث، وبما يحدث!..
والسؤال الذي لم يخطر في بالنا عمومآ، وَيَا للعجب، هو: ألم يكن عبد الناصر، باستقالته تلك، يعبر عن عدم مسؤوليته المباشرة، أكثر مما كان يعبر عن مسؤوليته المباشرة؟ ألم تكن استقالته تلك تعني أنه لم تكن له سلطة حقيقية على الجيش المصري؟ ولا على توابعه الأمنية، ليس في كارثة ١٩٦٧فقط، بل في كارثة ١٩٥٦، وكارثة انهيار الوحدة المصرية السورية، وكارثة حرب اليمن، وغيرها؟..
ولو لم يقدم عبد الناصر استقالته، يوم ٩-٦-١٩٦٧، بتلك الطريقة التي استنفرت الأمة من أقصاها إلى أقصاها لصالحه، أما كان ممكنآ أن تضعه قيادة الجيش المهزومة في السجن؟ أو في ما يشبه السجن؟ وتستولي على مقاليد البلاد جميعها، مع أن تلك المقاليد كانت دائمآ تحت تصرفها في معظمها؟..
في تلك الأيام، أيام الهزيمة، قال الرئيس جمال عبد الناصر للرئيس نور الدين الأتاسي أن كتيبة عسكرية جزائرية تقوم بمهمة حماية مقر الرئاسة الذي كان يتواجد فيه! فممن كانت تحميه؟ ولماذا كانت كتيبة جزائرية، ولم تكن كتيبة مصرية؟..
وبعد ذلك، رأينا الرئيس عبد الناصر محميآ بشعبه الذي جعله يسحب الاستقالة، وحفظ له مكانته، من أن يتطاول عليها أحد، ورأينا المشير عامر محتمياً ومحميآ بجيشه، الذي أبقاه في مركزه، ولو إلى حين، حيث لم يخرج منه، في ما بعد، إلا ميتآ!..
والآن، بعد هذه الخاطرة، أليس من الضروري إعادة النظر في رؤيتنا لمكانة الرئيس عبد الناصر في السلطة، طيلة عهده وحتى نهاية المشير؟ هل كان مطلق اليد والصلاحية في سلطاته كرئيس دولة، كما كانت المظاهر توحي، أم أننا كنا نتوهم ذلك؟